محمد ابو زهره

530

خاتم النبيين ( ص )

لها ذات السباق ، فصلى عندها فكانت مسجده ، وصنع للرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم طعام فأكل وأكل أصحابه ، ثم استقى له من ماء يقال له المشيرب ، وأخذ يتابع البحث عن تلك الشعاب المتعرجة ، ثم اعتدل في الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها ، جمادى الأولى ، وليالي من جمادى الآخرة . ولكن العير قد سبقت ولم يدركها ، فلم يلق حربا ، ولكنه عاد بتأليف القلوب ، فوادع بنى مدلج ومن معهم من حلفاء لهم ، فإذا كان لم يدرك العير ، ولم يكسب منها مالا ، فقد كسب قلوبا ، وألفها ، وذلك هو أوّل أعمال الرسالة المحمدية . وقد خلف رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم على المدينة المنورة أبا سلمة الأسدي ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب ، ويذكر ابن إسحاق أنه في هذه الخرجة ، كنى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه بكنية ( أبو تراب ) فيقول : ويومئذ قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ( لعلى - أبو تراب ) قال : فحدثني يزيد بن خيثم . . . عن عمار بن ياسر ، قال كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع ، فلما نزل رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أقام بها شهرا ، فصالح بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ، فوادعهم فقال لي علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : هل لك يا أبا اليقظان أن هؤلاء النفر من بنى مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون ، فأتيناهم ، فنظر إليهم ساعة ، فغشينا النوم ، فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض ، فنمنا فيه ، فو اللّه ما أهبّنا إلا ورسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يحركنا بقدمه ، فجلسنا . وقد تتربنا من تلك الدقعاء ، فيومئذ قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لعلى : يا أبا تراب ، لما عليه من التراب ، فأخبرنا بما كان من أمرنا ، فقال : ألا أخبركم بأشقى رجلين ؟ قلنا : بلى يا رسول فقال عليه الصلاة والسلام : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي ، على هذه ، ووضع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم - يده على لحيته » . وقد علق على ذلك الخبر ابن كثير ، فقال : « وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، له شاهد من وجه آخر في تسمية على أبا تراب ، كما في صحيح البخاري : أن عليا خرج مغاضبا فاطمة ، فجاء المسجد ، فنام فيه ، فدخل رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فسأل عنه ، فقالت : خرج مغاضبا ، فجاء عليه الصلاة والسلام إلى المسجد فأيقظه ، وجعل يمسح التراب عنه ، ويقول : « قم يا أبا تراب » . ونستطرد في ذكر هذه الكنية النبوية الشريفة ، فنقول أنها كانت أحب كنية إلى علي كرم اللّه وجهه في الجنة ، لأنها تسمية من حبيبه وكافله محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولأنها اقترنت